عبق الماضي تجدة في جدة التاريخية

  • بواسطة : Jeddah Walnas
  • الثلاثاء 14 فبراير 2017
  • 12:30 م

 

زامل شعـراوي – جدة والناس :

وأنت في طريقك إلى وسط البلد داخل مدينة جدة فأنت حتما ستعبر بالمنطقة التاريخية لترى بيوت حجازية قديمة متراصة بجوار بعضها البعض يصل عددها إلى 500 منزل على حد قول مدير المنطقة التاريخية المهندس سامي نوار ومن هذه المنازل وهي قليلة التي لا تزال تحتفظ بملامحها في الرواشين الخشبية المزخرفة كنوافذ لهذه البيوت العتيقة وبجوار النقوش على جبينها المتمثلة في جدرانها وألوانها الزاهية وإن شاخت لمرور الزمن عليها .

كل هذه البيوت العتيقة بين الأزقة الترابية الضيقة يشتم منها الزائر ذاكرة أهل جدة القديمة التي تحرضه على البحث عن حكاية المدينة القديمة في ذكرياتها الحجازية خلال سيره في أبرز المناطق السياحية الأثرية والتي كانت مساحتها لا تزيد عن 1 كلم وكانت حينها محاطة بسور أزيل عام 1947م نتيجة نموها الرأسي والتحديث العمراني الذي زاد خلال 60 عاما لتصل مساحة المدينة ما يقارب 700 كلم.

وجدة القديمة كانت محاطة بسور كعادة المدن القديمة الذي بني لحمايتها من غارات البرتغاليين حيث كانوا يهاجمون المدينة وسكانها ويسطون عليهم وكان لأسطولهم رغبة باحتلالها أثناء جولاته البحرية، ولذلك بُني عام 910هـ بأمر من السلطان قنصوة الغوري ومساعدة أهل جدة أنفسهم في البناء من أجل تحصينها وحمايتها وقد زُود بالقلاع والمدافع من أجل صد السفن البرتغالية الحربية، وكان حينها للسور بابان أحدهما من جهة مكة المكرمة والآخر من جهة البحر، ويذكر أن السور له ستة أبراج ثم فتحت له أبواب أشهرها باب مكة، باب المدينة، باب شريف، باب جديد، باب البنط، باب المغاربة (باب النافعة).

وحينما تسير بين أزقة حارات المنطقة التاريخية العتيقة والضيقة فإنك حتما سترى في مخيلتك السقا (الذي يحمل الماء إلى أهالي المدينة) وترى النساء من خلف الرواشين وهن يتبادلن الأحاديث فيما بينهن والصبيان يلعبون هنا وهناك وتستشعر أحاديث أصحاب الدكاكين من التجار وهم جلوس على أبوابها يستمتعون بأخذ (الشيشة) وأشياء أخرى تلح على الذاكرة في رسمها أمامك رغم انقضاء أجلها فلا يزال عبق الماضي موجودا حتى الآن.

وتعود  نشأة مدينة جدة يعود إلى 3000 سنة تقريبا حيث أنشأها جماعة من الصيادين كانوا يستقرون فيها أثناء رحلاتهم للصيد البحري، ومن ثم جاءت قبيلة قضاعة إليها منذ أكثر من 2500 سنة وأقامت بها، وقد سميت المدينة كما يقال باسم أحد أبناء هذه القبيلة جُدة بن جرم بن ريان بن حلوان بن عمران بن إسحاق بن قضاعة وإن كانت الحقيقة أن جدة بن ريان سمي بالمدينة وليس العكس هو الصحيح، وقيل انها سُميت بذلك نسبة إلى (جُدة) وهي حواء أم البشر وزوجة آدم حيث يقال إنها ماتت بهذه المدينة وتوجد في مقبرة بمسمى (أمنا حواء) التي يشاع أنها دفنت بها وهي شائعة لم يصدقها المؤرخون.

وبدأت تعرف المدينة التاريخية طريقا للشهرة منذ ما يقارب 1400 سنة خلال التاريخ الإسلامي حينما اختارها الخليفة عثمان بن عفان عام 25هـ ميناء رئيسا لمكة المكرمة وتطورت من حينها وازدادت أهمية لأن تكون بوابة الحرمين الشريفين وأخذت تنمو نموا رأسيا حتى اليوم.

حارات جدة القديمة وأسواقها

* السياح القادمون من خارج المملكة أو من داخلها عند زيارتهم لمدينة جدة لا بد أن يأخذهم الفضول للعبور بالمنطقة التاريخية في وسط البلد حيث التجول سيرا على الأقدام في أنحاء المنطقة التي لا تزال تحتفظ بطابعها الشعبي الحجازي سواء من خلال بعض المنازل الحجازية المزينة بالرواشين التي تبلغ 500 بيت، أو التجول في أسواقها القديمة المشهورة كونها أكثر إمتاعا نحو سوق الندى الذي يعد من الأسواق القديمة ويمتد بمحاذاة الجزء الغربي من سور المدينة ويلتقي شماله بشمال غرب المدينة وتتفرع منه عدة أسواق جانبية وقد أشتهر شمال السوق بكثرة انتشار المكتبات وبيع السمك المقلي والمشويات وصناعة الأحذية والحقائب وإصلاح الساعات.

أما سوق العلوي فيعتبر الفاصل بين حارة المظلوم شمالاً وحارة اليمن جنوباً ويتميز بعرض العديد من السلع والبضائع كالملابس والبهارات والمستلزمات المنزلية وغيرها، ويشاركه في بيع البهارات والملابس والأقمشة سوق البدو الذي يقع على مقربة من بوابة مكة وسمي بذلك لما احتوى عليه من سلع كانت تجذب سكان البادية إلى شرائها.

ومن أشهر الأسواق القديمة التي أصبح لها أيضا وجه حديث سوق قابل حيث شهد تطورا حتى في السلع التي يبيعها، فتلتقي فيه السلع القديمة بالحديثة وهو محطة لا بد أن تجذب زوار المدينة للوقوف عليه والتبضع منه، وأسواق أخرى كسوق الخاسكية، وسوق الذهب وجميعها قديمة وتعد محطات هامة يرتادها المقيمون الأجانب ممن يعملون في المدينة لشراء التذكارات نحو المشربيات والمسابح والأواني الفخارية والأقمشة والذهب وغيرها من الأشياء التي تحفل بها دكاكين السوق المحتفظة بطابعها الشعبي دون تحديث لها.

وجدة القديمة التي بلغت مساحتها 1 كلم مربع وأحيطت بسور حينها تكونت من أربع حارات رئيسة ومشهورة لا تزال حتى الآن محتفظة بنكهتها الحجازية، فعند دخولك سوق العلوي تجد في الجزء الجنوبي منه حارة اليمن التي سميت بذلك لاتجاهها نحو بلاد اليمن وهي منطقة أثرية يوجد بها بيت آل نصيف من أعيان المدينة الذي بني في نهاية القرن الثالث عشر الهجري وأصبح متحفا وأثرا معماريا من آثار المدينة التاريخية.

ومن حارات جدة القديمة الشهيرة حارة المظلوم التي سميت بذلك نسبة إلى شائعة غير أكيدة مفادها أن شخص يدعى عبد الكريم البزرنجي قتلته الحكومة العثمانية ظلما فكتبت دماؤه على جدران الحارة (مظلوم) وسميت بذلك وهي تقع في الجزء الشمالي الشرقي من داخل السور شمال شارع العلوي ومن أبرز معالمها مسجد الإمام الشافعي وسوق الجامع. أما حارة الشام فتقع في الجزء الشمالي من داخل السور متجهة نحو بلاد الشام، والحارة الرابعة هي حارة البحر التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من مدينة جدة وهي مطلة على البحر.

ومن أبرز معالم جدة القديمة (عين فرج يسر) التي تم حفرها عام 910هـ من أجل سقيا أهل جدة حيث كانت تأتي مياه العين من شرق مدينة جدة من وادي توم إلا أنها جفت عام 1304هـ واندثرت وعلاها الركام والحجارة وقد تم حفرها وإعادة هيكلها لتكون من آثار المنطقة التاريخية. وبجوارها على بعد خطوات من خلال سوق الجامع يجد الزائر مسجد (العتيق) الذي بني في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حسب ما يشير له كتاب عبد القدوس الانصاري أما منارته فعمرها 900 عام .

هذه الحكاية الأم لجدة القديمة كان لها الأثر الواضح في مختلف الألوان الثقافية فهي في كتب الأدباء وكذلك في العديد من لوحات الفنانين التشكيليين بل ان بعضهم تفرغ فقط لرسم جدة القديمة واتخذها أسلوبا فنيا خاصا به ومن أشهرهم الفنانة الرائدة صفية بن زقر وكذلك الفنان سعيد العلاوي وعصام عزوز وغيرهم ممن حاولوا تجسيد ذاكرة المدينة القديمة في لوحاتهم بعدما رأوا التحديث العمراني بدأ يطغى عليها ويقتل عذريتها.

مواضيع ذات صلة

1 Comment on عبق الماضي تجدة في جدة التاريخية

  1. يقول الشريف ثامر ابوعمرين:

    جده القديمة قصة لن تنتهي فهي الحاضر و الماضي

What do you think?

ملاحظة : عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك لن يتم نشرة

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

تحميل...