جدة : الحلم .. والمستقبل

  • بواسطة : عبدالله مناع
  • الأربعاء 8 فبراير 2017
  • 9:52 ص

جدة: الحلم.. والمستقبل

 تموت أزهار.. وتحيا أخرى، تصفر أوراق.. وتخضر أخرى، وتذبل أشجار.. وتورق أخرى، ويجيء شتاء.. ويذهب صيف، والحب باق يتوثب في قلبي ويقفز بين أضلعي أبدياً أزلياً لا ينتهي ولا ينضب: كموج بحرها.. كزرقة سمائها.. وكمسائها الحاني دوماً.. وليلها الرائع أبداً، إنها عروس البحر الأحمر.. وفاتنته: “جدة”.. التي ظلمها وأنصفها المؤرخون بحد سواء.. وتلاقى على حبها فرس المشرق وروم المغرب.. وقال عنها أحد المعتدلين من شيوخها: “أم الرخا.. والشدة”.. وصورها أحد الغاضبين عليها من أبنائها قائلاً: “مكتوب على بابها.. ترقي الغريب.. وتتعس أصحابها”، وأحس بها خيالاً لا يفتقر إلى حقيقة.. وحقيقة لا تقتصد في خيالها، شاعرنا الملهم “حمزة شحاتة” عندما قال:

“النهى بين شاطئيك غريق       والهوى فيك حالم لا يفيق”

إن “جدة” في تصوري وإدراكي هي – واحدة من المدن – التي عرفت كيف تجعل من حياتها – وتاريخها – رحلة مستمرة نحو “المستقبل” بآفاقه الرحبة الواسعة. حقيقة.. أنه لم يقيض لها “فيليب عربي” آخر بإقليميته.. ولا “سيفروس” آخر.. ولكن ومنذ أن أنشأها الخليفة الثالث عثمان بن عفان كما يجمع معظم المؤرخين.. إلى أن أحاطها “قنصوة الغوري” بسور ليحفظها.. وإلى أن وضع “فهد بن عبدالعزيز”.. أمام واجهتها البحرية ثاني أضخم وأجمل نافورة في العالم.. كانت جدة عبر عصورها وأحقابها، ومن خلال أبنائها والمقيمين بها والوافدين إليها.. تعيش الر حلة صوب (المستقبل).. وهي تصبر على ضعفها زمناً.. وتستثمر كل إمكاناتها حيناً آخر، ولكنها بين الصبر على الضعف واستثمار الإمكانات.. لم تحد عن وجهتها ولم تدر بصرها عن (المستقبل): نماءً وازدهاراً وجمالاً وحياة زاخرة كثيفة.

ولعل أحد أهم أسباب هذا التوجه الدائم إلى (المستقبل) هو أن جدة كانت مدينة.. تحلم دائماً: أحلاماً كبيرة.. وأحلاماً صغيرة، أحلاماً عظيمة.. وأحلاماً متواضعة، وكلما تحققت بعض تلك الأحلام.. جدت أحلام أخرى.. وهكذا باعد (الحلم) بينها وبين “الشيخوخة” أو التيبس أو الذبول، فالمدن التي لا ينفذ رصيدها من الأحلام.. لا تعرف الشيخوخة أبداً ولا تتراجع أمام أعاصير الزمن.

في الماضي القريب.. كانت جدة وأهلها يحلمون بأن يشربوا ماءً عذباً يريحهم من عناء مياه الآبار و”العسيلة” ومياه “الكنداسة” الشحيحة، وعندما تناقل الناس ما قاله أحد الشيوخ من أن “جدة.. ستموت غرقاً” استعجل الجميع تلك “النبوءة” وكأنه قد طاب لهم الموت غرقاً على الموت عطشاً..!!

لقد كان حلماً كبيراً وإن بدا بعد تحقيقه صغيراً.

وفي الماضي القريب نفسه.. كانت جدة وأهلها يحلمون بأن تضيء “الكهرباء” دورهم وحوانيتهم ومقاهيهم وشوارعهم و”برحاتهم”، صحيح أن “الخاسكية” وشارع قابل والسوق الكبير و”العلوي” وسوق الندى لم تكن تشكو الظلام تحت وهج (الأتاريك) وأنفاسها التي تبدد السكون، ولكن (الحلم) كان يشدهم إلى الأفضل.. ويهزم الواقع المفروض والمرفوض، فكان أن تقدم “أبو زنادة” في النصف الجنوبي من جدة – القديمة – ، و”باغفار” في الجزء الأوسط منها، و”السرتي” في النصف الشمالي.. ليجعلوا من (الحلم) حقيقة.. وتضيء الكهرباء فتتراجع الأشباح والعفاريت والمردة ويغضب “المعمرون” الذين يحملون “سلالمهم” صوب أرجاء المدينة عند مغيب شمس كل يوم، لينصبوا “الأتاريك” في الشوارع و”البرحات”، وليشعلوا “الفوانيس”.. في الأزقة والحواري.

لقد كان حلماً كبيراً.. قاد بتحقيقه، وتطوره مدينة جدة.. إلى آفاق كانت ترجوها وتأملها وتتطلع إليها.

وفي الماضي القريب.. ومع تنامي الأجيال الشابة وتصاعد إدراكها بما يجري حولها، كان (الحلم) في أن يقوم في جدة عدد من المتنزهات غير متنزهي “جيلاتي باخشون” و”جيلاتي أبو زنادة”.. وأندية غير ناديي “الاتحاد” و”الهلال البحري”.. ومطاعم غير مطاعم.. “عم غالب” و”الحوري” و”أبو طالب”. وتحقق كل ذلك.. وتحقق غير ذلك.. مما هو أكبر وأجمل وأعظم عندما أخذت تمتلئ جدة.. بآحاد المطاعم الجميلة والمتنوعة، فعشراتها عاماً بعد عام وهكذا.. ظلت جدة تواصل رحلة أحلامها بامتداد الأيام نحو (المستقبل).

* * *

وبالرغم من “الخير” المقدر أن أناله من سنوات ابتعائي.. والذي كنت أحسبه مسبقاً ثم أدركته بوعي فيما بعد، إلا أن سنوات فراقي لجدة.. كانت تشكل شطراً من أحزاني.. لا لأنني فارقت الأهل ومن أحببت فقط.. ولم تعد عيني ترى الوجوه التي عرفتها وعرفتني والأماكن التي ألفتها وألفتني: صبياً وغلاماً ويافعاً.. من زاوية “غلوم” و”بيت عاشور” و”بير جوهر” إلى “طاحونة الباخشوين” و”برحة الأيلشي”, ولكن.. لأن تواصل متابعة جدة وأحلامها كان ينقطع بانقطاع المكان وبالانشغال بطول وعمق الحياة الباهرة الجديدة التي وجدت نفسي فيها.

لكن سنوات الابتعاث تلك باكرتني بحسناتها، فقد عرفتني على كثيرين ممن سبقوني.. ثم ممن لحقوا بي فيما بعد.. وقامت بيني وبين العديد منهم صداقات حميمة وعميقة.. مازلت أنعم بها حتى الآن، فكان من بين أولئك الذين سبقوني الدكتور المهندس محمد سعيد فارسي.. لقد شدتني إليه بساطته المتناهية.. وقدرته على مد الجسور بينه وبين الآخرين.. ونشاطه الاجتماعي الموفور بين أوساط الطلبة.. واهتماماته  ومشاركاته في كل عمل بناء يقدم عليه الطلبة بدءاً من “صندوق الطالب” إلى نادي الطلبة ولجانه الثقافية والاجتماعية.

ثم، شدني إليه بما يشبه الجذب.. إنه كان فناناً.. يملك القدرة على الحلم.. دون أن تترك أقدامه الأرض لتمشي به فوق سحاب الأوهام، ثم كان تطوعه.. لتقديم “تصميم” لترويسة صحيفة “الحقيقة” الحائطية – التي كان الدكتور فايز بدر والأستاذ محمد سعيد خوجة وكاتب هذه السطور.. يعملون على إصدارها – مصداقاً وتأكيداً لتلك (الصورة) التي ارتسمت له في مخيلتي.

وانتهت سنوات الابتعاث. سنوات البحث.. سنوات الفراق.. فهي كل ذلك معاً، وعدت إلى “جدة” لأفجع بـ “الشارع الجديد” أو “شارع الدهب” كما أطلق عليه بعض العامة.. الذي تم شقه من شمال جدة إلى جنوبها.. وزالت بقيامه دور وأسواق ومعالم عزيزة على نفوس الكثيرين من أبناء جدة.. حتى أولئك الذين لاح لهم أن التعويضات التي تقاضونها قد أسعدتهم: أين “حوش النخلة”.. وأين “النورية”.. وأين “قصبة الهنود”.. وأين “زقاق الخراطين” وأين دور “حارة الشام” الجميلة والأنيقة؟.. بل أين تلك “البرحات” وهواؤها البارد النظيف؟ لقد حصدتها جميعاً “دركترات” البلدية”.. فأزالت مع الأحجار والأخشاب ماضياً وتاريخاً.

ومع ذلك.. ظلت جدة تحلم.. وتواصل رحلتها نحو (المستقبل) فوق كواهل أبنائها والمقيمين بها والوافدين إليها بينما وقعت “بلديتها” طوال الثمانينات في خندق ضعف الإمكانات.. وكان من العسير تصديق أو تكذيب ذلك.

وفي التسعينات جاء محمد سعيد فارسي. الفنان الذي عرفته.. والحالم الذي عرفته.. والواقعي الذي عرفته. جاء إلى بلدية جدة.. وكان عليّ أن أراقب ما سيفعل.. وكان عليّ أن أنتظر بعض الوقت حتى أجيب على نفسي: هل تغير.. هل تبدل.. هل ضاع “الفنان” منه.. أم فقد القدرة على الحلم.. واستبدت به الواقعية وحدها؟

ولم يطل بي الانتظار.. فقد بدا لي واضحاً أن همته تتسع لأحلام جدة الكبيرة.. وأنه قادر على استمرار دفعها في رحلة المستقبل الذي لم تحد عنه.. وأنه أصبح يسابق بجمال أدائه ولمساته ليس المدن الأخرى آنذاك.. بل أصبح وكأنه يسابق نفسه.

* * *

لقد حدث الكثير.. وتم إنجاز الكثير وتحققت أحلام.. وتجددت أحلام ثم تحققت، وبدت جدة في التسعينات من القرن الماضي بـ”كورنيشها”، وميادينها القديمة التي تجددت، والحديثة التي أنشئت، وشوارعها وأحيائها الجديدة وحدائقها وجسورها ومجسماتها.. وعودة الروح إلى تصاميم عماراتها: لوحة.. حية نابضة مفعمة بالجمال والبهاء.. يتحدث واقعها ربما بأفضل مما تقوله الكلمات والعبارات.

.. لتتواصل الرحلة.. نحو المستقبل.

عبدالله مناع

مواضيع ذات صلة

What do you think?

ملاحظة : عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك لن يتم نشرة

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

تحميل...