دور البيوت الجداوية في بناء الإقتصاد الوطني

  • بواسطة : د. أمين ساعاتي
  • الثلاثاء 7 مارس 2017
  • 2:03 م

 د . أمين ساعاتي .

يشتغل أهالي مدينة جدة بالتجارة منذ نعومة أظفارهم، وتقع مدينة جدة فوق براطم بحر القلزم أو البحر الأحمر، ولأنها ــــ على مدى التاريخ ــــ ارتبطت بالبحر، فإن أهلها ارتبطوا بالتجارة وامتهنوا كل فنون التجارة ابتداء من الصيد، حتى كل فنون الاقتصاد الرقمي الحديث، وفي رحلاتهم التجارية الطويلة امتهن أهل جدة تجارة الجملة وتجارة التجزئة وتجارة القطاعي.

 

وكان أهالي جدة من فرط حبهم وولعهم بالبحر والتجارة يستخدمون مصطلح ”التجارة” كمرادف للبيوت الكبيرة والعريقة، التي نشأت في قاع المدينة على مر التاريخ، فيقولون بيت باناجة أو بيت جميل أو بيت الفتيحي أو بيت الشربتلي أو بيت زينل أو بيت الزاهد أو بيت الجمجوم أو بيت ابن محفوظ أو بيت باعشن أو بيت البترجي أو بيت أبو داود أو بيت ابن لادن.

 

والمقصود هنا ليس الجانب الاجتماعي في هذه البيوت، بل المقصود هو الجانب التجاري والاقتصادي، بمعنى إذا ذكر بيت جميل، فإن المقصود دور بيت جميل التجاري في بناء الاقتصاد الجداوي، وكذلك بيت زينل وبيت الجمجوم وبيت ابن محفوظ وبيت باعشن وبيت ابن زقر وبيت أبو داود وبيت حسين علي رضا وبيت الفتيحي.

 

ولو لم تكن هذه البيوت ذات باع تجاري كبير لما استحقت لقب بيت فلان وبيت علان، وهكذا رسخت هذه الأسماء اسمها التجاري في التاريخ الاقتصادي الحديث لهذه المدينة الاقتصادية الجاذبة للمال والأعمال.

 

ونستطيع القول إن بيوت جدة، التي أصبحت تسمى ـــ بلغة الفقه الاقتصادي المعاصر ــــ بالشركات العائلية.. لعبت دوراً كبيراً في بناء اقتصاديات جدة منذ فجر تاريخها الحديث، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الدولة السعودية الحديثة، التي أسسها الملك عبد العزيز ـــ يرحمه الله.

 

إن طبيعة المجتمع السعودي هي طبيعة تكافلية، ولذلك فإن الشركات العائلية تمثل أهم القطاعات المكونة للاقتصاد الوطني، وتصل نسبة الشركات العائلية إلى الشركات السعودية إلى أكثر من 90 في المائة. ومنذ أن وقع الملك عبد العزيز اتفاقية جدة في عام 1344هـ (1925) بدأ ـــ يرحمه الله ــــ رحلة بناء مدينة البيوت التجارية، فأنشأ أول ما أنشأ ميناء جدة، الذي كان يسمى السقالة، ومشروع السقالة يعني بناء ثلاثة أرصفة لاستقبال البواخر في داخل البحر الإقليمي للمدينة اليانعة واليافعة، والسقالة هي أول مشروع لميناء جدة الحديث، فبعد أن كانت البواخر التجارية تقف خارج المدينة وتذهب إليها المراكب الشراعية لتفريغ حمولاتها أصبحت البواخر تتقدم وترسو على الأرصفة الجديدة، التي كان الأهالي يطلقون عليها اسم السقالة.

 

وفي عهد وزير المواصلات محمد عمر توفيق نفذت الوزارة أحدث وأكبر ميناء على ساحل البحر الأحمر متضمناً إنشاء أكثر من 30 رصيفاً افتتحه الملك فيصل في عام 1982، وفي حفل الافتتاح اقترح الوزير أن يسمى الميناء باسم ميناء الملك فيصل، ولكن الملك فيصل طلب الكلمة التي لم تكن في البرنامج، وأمر بأن يسمى الميناء باسم ميناء جدة الإسلامي، وما زال هذا الاسم يتلألأ في صدر مدينة المدائن.

 

ومن الإنجازات التي تحققت في مدينة جدة في عهد الملك عبد العزيز إنشاء أو لغرفة تجارية في تاريخ الغرف التجارية، واستكمالاً لبناء البنى التحتية لاقتصاد مدينة جدة أمر الملك عبد العزيز ـــ رحمه الله ــــ ببناء المؤسسات الإدارية والتعليمية اللازمة للنهوض باقتصاديات مدينة جدة، ومن ناحيتها لعبت البيوت التجارية دوراً كبيراً في تطوير هياكلها، وكانت تاج الاقتصاد السعودي المتنامي وتميزت البيوت التجارية في جدة بدفع العمل التجاري بقوة إلى الأمام.

 

وإذا كان دور البيوت التجارية في جدة كبيرا في بناء الاقتصاد السعودي في بداياته الأولى، إلاّ أن بعض البيوت التجارية تميزت بأعمالها الخيرية والتطوعية والاجتماعية إلى جانب إنجازاتها على صعيد المساهمة في بناء الاقتصاد الوطني، والدولة من جهتها دعمت البيوت التجارية الوطنية وشجعتها على المضي قدماً في بناء الاقتصاد الوطني.

 

وتميزت بيوت جدة طوال تاريخها المديد بالتطوير والتجديد، ومن يستعرض تاريخ جدة يبحر في رحلة جميلة من التجارب والنجاحات، التي جعلت الاقتصاد الجداوي يتميز بالانفتاح على كل اقتصادات المملكة، فالكثير من رجال الأعمال غادروا مدنهم ونقلوا مراكزهم التجارية إلى جدة، ومن جدة انطلقوا إلى آفاق التجارة والاقتصاد الرحب، ولذلك يقول بعض التجار أينما تضع رأسمالك في جدة فسيمطر ذهباً وفضة.

 

إن جدة ذات قابلية قوية للتطوير الاقتصادي، فهي المدينة، التي أمر الملك عبد العزيز وزير ماليته الشيخ عبد الله السليمان أن تكون مكاناً للتوقيع على الاتفاقيات الأولى للتنقيب عن البترول في المنطقة الشرقية، وهي المدينة التي تلامس حدودها حدود المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهي المدينة التي تطل على ساحل البحر الأحمر وتغازل أمواجه الهادرة، وهي المدينة التي تستوعب كل الأسواق التجارية الكبرى، وهي المدينة التي لا تعترف بنظرية الدورات الاقتصادية، وإنما تتميز بالرخاء المستمر الذي لا ينقطع، وهي المدينة التي رممت وعمرت كل مفاصل الاقتصاد الوطني.

 

ولذلك فإن التطور الذي يحدث في الاقتصاد الوطني يبدأ حساباته من هذه المدينة الزئبقية الجاذبة.

 

إن جدة مدينة اقتصادية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، بل هي مدينة يبدأ منها وضع حسابات المؤشرات عن أداء الاقتصاد السعودي، الذي أصبح اليوم من أهم اقتصادات الدول الناشئة والناجحة.

 

 

* المصدر  الإقتصادية 7237 .

مواضيع ذات صلة

What do you think?

ملاحظة : عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك لن يتم نشرة

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

تحميل...